عبد الملك الجويني

271

الشامل في أصول الدين

المدرك . والدليل عليه أن المحتجز بكفه لا يدرك قرصة الشمس ، وليس ذلك لسترة إياها بكفه ، بل هو لستره نفسه عنها . وهذا من أغمض مسائل الإدراكات ، وسنذكرها فيها إن شاء اللّه . وهذه جملة مقنعة في الأكوان ، فتدبروها ترشدوا . وقد كنت جمعت في الأكوان كلاما كثيرا ، ولم أغادر ، مع إيثار الاختصار ، من عمده شيئا . ومما يتعلق بالأكوان الاعتمادات . ونحن الآن نخوض في ذكر أصولها وتهذيب محصولها جارين في استيعاب المعاني واختصار العبارات . باب في الاعتمادات وحقائقها وذكر وجوه الاختلاف فيها اعلموا أن أول ما يقتضي الترتيب تقديمه ذكر الثقل والخفة ومعناهما ، واختلاف أهل الحقائق فيهما . فإن قال قائل : فما قولكم في ثقل الأجسام ، أهو من الأعراض أم هو راجع إلى نفس الجواهر ؟ قلنا : هذا مما اختلف فيه الحذاق . فصار صائرون إلى أن ثقل الجوهر نفسه وهو آئل إلى وجوده دون معنى زائد عليه . فكل جوهر عند هؤلاء ثقيل لنفسه ، ولا يتصور تفاضل جوهرين في الثقل ، كما لا يتحقق تفاضلهما في سائر الصفات النفسية . وإذا كانت الزبرة « 1 » من الحديد أثقل مما في مثل حجمها من الخشب ، فإنما ذلك لكثرة أجزاء الحديد وانضمامها وتراصها وقلة انفراجها . فهذه طريقة . وصار صائرون من أئمتنا إلى أن الثقل معنى ، زائدا على وجود الجوهر . ثم من سلك هذه الطريقة افترقوا : فالذي صار إليه القاضي ومعظم المحققين أن الثقل عبارة عن : اعتماد الشيء من جهة سفل ، على ما سنوضح بعد ذكر الاعتمادات وتفاصيلها . وصار صائرون إلى أن الثقل هو الاعتماد . فلا يجوز جوهر أثقل من جوهر مع التساوي في الثقل ، إذ الثقل هو الاعتماد إلى جهة السفل ، ولا يتقرر عندنا قيام اعتمادين متماثلين بالجوهر الواحد ، فيترتب عليه تفاضل في الثقل المفسر بالاعتماد . فإن قال قائل : فهل يفارق هذا المذهب في ما ذكرتموه المذهب الأول ، وهو صرف

--> ( 1 ) الزّبرة : زبرة الحديد : القطعة الضخمة منه .